العيني
146
عمدة القاري
هو رواية المستملي والكشميهني كما تقدم في أوائل كتاب العلم من طريق أخرى : عن محمد عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه ، وقد تقدم هناك أكثر ما يتعلق بهذا الحديث . بيان الإعراب واللغات : قوله : ( ذكر النبي ، عليه الصلاة والسلام . قال : فإن دماءكم ) أي : ذكر أبو بكرة النبي ، عليه الصلاة والسلام ، وليس هذا من الذكر الذي بعد النسيان . وقوله : ( قال ) ، أي النبي ، عليه الصلاة والسلام ، المعنى : ذكر أبو بكرة النبي ، عليه الصلاة والسلام ، ثم قال : قال النبي ، عليه الصلاة والسلام ، و : الفاء ، في فإن ، عاطفة والمعطوف عليه محذوف ، لأن هذا الحديث مخزوم ، لأنه بعض حديث طويل وقد سبق بعضه في باب : قول النبي ، عليه الصلاة والسلام : ( رب مبلغ أوعى من سامع ) ، حيث قال رسول الله عليه الصلاة والسلام : ( أي يوم هذا ؟ فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه قال : أليس يوم النحر ؟ فقلنا : بلى ، قال : فأي شهر هذا ؟ فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه ، قال : أليس بذي الحجة ؟ قلنا : بلى . قال : فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا . . . ) إلى آخرة ، وقد خرم الحديث ههنا اقتصارا على المقصود وهو بيان التبليغ . قوله : ( قال محمد ) أي : ابن سيرين أحد الرواة . قوله : ( واحسبه ) أي : أظنه ، أي : أظن ابن أبي بكرة ، قال : ( وأعراضكم ) ، بالنصب عطف على قوله : ( وأموالكم ) . وقوله : ( قال محمد وأحسبه قال ) ، جمل معترضة . قوله : ( حرام ) خبر : إن ، وقال الكرماني : جمل معترضة بين اسم إن وخبرها بحسب الظاهر . قلت : بحسب الظاهر اعتراضها بين المعطوف والمعطوف عليه ، وإن كان في الحقيقة بين اسم إن وخبرها . فإن قلت : كيف روى محمد بن سيرين ههنا ظانا في هذا اللفظ ، وفيما تقدم جاز ما فيه كما هو مذكور في ذلك الباب ؟ قلت : إما لأنه كان عند روايته لأيوب ظانا في تلك اللفظة ، وبعدها تذكر فحصل له الجزم بها ، فرواها لابن عون جازما . وإما بالعكس لطرو تردد له أو لغير ذلك ، والله أعلم . فإن قلت : ما معنى قوله : ( عليكم ) إذ معلوم أن أموالنا ليست حراما علينا ؟ قلت : العقل مبين للمقصود وهو : أموال كل أحد منكم حرام على غيره ، وذلك عند فقدان شيء من أسباب الحل ، ويؤيده الرواية الأخرى : وهي بينكم بدل : عليكم . قوله : ( وأعراضكم ) جمع عرض بالكسر ، وقد فسرناه هناك مستوفى . وحاصله أنه يقال للنفس وللحسب . وقال في ( شرح السنة ) لو كان المراد من الأعراض النفوس لكان تكرارا ، لأن ذكر الدماء كافٍ ، إذ المراد بها النفوس فيتعين الأحساب . وقال الطيبي : الظاهر أن المراد بالأعراض : الأخلاق النفسانية . قوله : ( ألا ) ، بتخفيف اللام ، كأنه قال : ألاَ يا قوم هل بلغت ؟ يعني : هل عملت بمقتضى ما قال الله تعالى : * ( بلغ ما أنزل إليك ) * ( المائدة : 67 ) ؟ قوله : ( وكان محمد ) ، أي : ابن سيرين . قوله : ( كان ذلك ) ، قال الكرماني : فإن قلت : ذلك إشارة إلى ماذا ؟ إذ لا يحتمل أن يشار به إلى : ليبلغ الشاهد ، وهو أمر ، لأن التصديق والتكذيب من لوازم الخبر . قلت : إما أن تكون الرواية عند ابن سيرين : ليبلغ ، بفتح اللام فيكون خبرا ، وإما أن يكون الأمر في معنى الخبر ، ومعناه : إخبار الرسول ، عليه الصلاة والسلام ، بأنه سيقع التبليغ فيما بعد . وإما أن يكون إشارة إلى تتمة الحديث ، وهو : أن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى منه ، يعني : وقع تبليغ الشاهد أو إلى ما بعده ، وهو التبليغ الذي في ضمن : ( ألاَ هل بلغت ) ؟ يعني : وقع تبليغ الرسول ، عليه الصلاة والسلام ، إلى الأمة وذلك نحو قوله تعالى : * ( هذا فراق بيني وبينك ) * ( الكهف : 78 ) . قلت : الجواب الأول موجه إن ساعدته الرواية عن محمد بفتح اللام ، وكون الأمر بمعنى الخبر يحتاج إلى قرينة . أقول : لا يجوز أن يكون للإشارة إلى التبليغ الذي يدل عليه : ليبلغ ، ومعنى كان ذلك : وقع ذلك التبليغ المأمور به من الشاهد إلى الغائب . قوله : ( مرتين ) يتعلق بقوله : قال مقدرا ، أي : قال ، عليه الصلاة والسلام ، مرتين : ألا هل بلغت . فإن قلت : لم قدرت : قال ، وما جعلته من تتمة : قال ، المذكور في اللفظ ، ويكون : وكان محمد . . . إلى آخره جملة معترضة ؟ قلت : حينئذ يلزم أن يكون مجموع هذا الكلام مقولاً مرتين ، ولم يثبت ذلك . 38 ( ( بابُ إثْمِ مَنْ كَذَبَ علَى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ) ) أي : هذا باب في بيان إثم من كذب على النبي ، عليه الصلاة والسلام ، والكذب خلاف الصدق . قال الصغاني : تركيب الكذب يدل على خلاف الصدق ، وتلخيصه : أنه لا يبلغ نهاية الكلام في الصدق . والكذب عند الأشعرية : الإخبار عن الأمر على خلاف ما هو عليه عمدا أو سهوا ، خلافا للمعتزلة في اشتراطهم العمدية . ويقال فيه ثلاثة مذاهب : المذهب الحق :